محمد بن جرير الطبري
444
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بين رسل الله ، وبين الله ورسله ، فصدقوا بعض وكفروا ببعض ، فاعلموا أيها المؤمنون أنهم إنما هم في عصيان وفراق وحرب لله ولرسوله ولكم . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن قتادة : فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي في فراق . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ يعني فراق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ قال : الشقاق : الفراق والمحاربة ، إذا شاق فقد حارب ، وإذا حارب فقد شاق ، وهما واحد في كلام العرب . وقرأ : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ . وأصل الشقاق عندنا والله أعلم مأخوذ من قول القائل : " شق عليه هذا الأَمر " إذا كربه وآذاه ، ثم قيل : " شاق فلان فلانا " بمعنى : نال كل واحد منهما من صاحبه ما كربه وآذاه وأثقلته مساءته ، ومنه قول الله تعالى ذكره : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما بمعنى فراق بينهما . القول في تأويل قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . يعني تعالى ذكره بقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء الذين قالوا لك ولأَصحابك : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا من اليهود والنصارى ، إن هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله ، وبما أنزل إليك ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأَنبياء غيرهم ، وفرقوا بين الله ورسله ، إما بقتل السيف ، وإما بجلاء عن جوارك ، وغير ذلك من العقوبات ، فإن الله هو السميع لما يقولون لك بألسنتهم ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضالة ، العليم بما يبطنون لك ولأَصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحسد والبغضاء . ففعل الله بهم ذلك عاجلا وأنجز وعده ، فكفى نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إياه عليهم حتى قتل بعضهم وأجلى بعضا وأذل بعضا وأخزاه بالجزية والصغار . القول في تأويل قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً يعنى تعالى ذكره بالصبغة : صبغة الإِسلام ، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالهم جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس بمنزلة غسل الجنابة لأَهل الإِسلام ، وأنه صبغة لهم في النصرانية ، فقال الله تعالى ذكره إذ قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قل لهم يا محمد : أيها اليهود والنصارى ، بل اتبعوا ملة إبراهيم صبغة الله التي هي أحسن الصبغ ، فإنها هي الحنيفية المسلمة ، ودعوا الشرك بالله والضلال عن محجة هداه . ونصب " الصبغة " من قرأها نصبا على الرد على " الملة " ، وكذلك رفع " الصبغة " صبغة من رفع الملة على ردها عليها . وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه ، وذلك على الابتداء ، بمعنى : هي صبغة الله . وقد يجوز نصبها على غير وجه الرد على " الملة " ، ولكن على قوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ صبغة الله ، بمعنى : آمنا هذا الإِيمان ، فيكون الإِيمان حينئذ هو صبغة الله . وبمثل الذي قلنا في تأويل الصبغة قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً إن اليهود تصبغ أبناءها يهود ، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى ، وإن صبغة الله الإِسلام ، فلا صبغة أحسن من الإِسلام ولا أطهر ، وهو دين الله بعث به نوحا والأَنبياء بعده . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال عطاء : صِبْغَةَ اللَّهِ صبغت اليهود أبناءهم خالفوا الفطرة . واختلفوا أهل التأويل في تأويل قوله صِبْغَةَ اللَّهِ فقال بعضهم : دين الله . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : صِبْغَةَ اللَّهِ قال : دين الله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : صِبْغَةَ اللَّهِ قال : دين الله . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ومن أحسن من الله دينا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ،